فخر الدين الرازي

19

تفسير الرازي

وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) * . في النظم وجهان الأول : أنه تعالى قال في الآية السالفة : * ( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) * : والمراد أنه يهدي من يشاء إلى الحق وطلب الجنة فبين في هذه الآية أن ذلك الطلب لا يتم ولا يكمل إلا باحتمال الشدائد في التكليف فقال : * ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ) * الآية الثاني : أنه في الآية السالفة ما بين أنه هداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه بين في هذه الآية أنهم بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق وصبروا على البلوى ، فكذا أنتم يا أصحاب محمد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : استقصينا الكلام في لفظ * ( أم ) * في تفسير قوله تعالى : * ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ) * ( البقرة : 133 ) والذي نريده ههنا أن نقول * ( أم ) * استفهام متوسط كما أن * ( هل ) * استفهام سابق ، فيجوز أن يقول : هل عندك رجل ، أعندك رجل ؟ ابتداء ، ولا يجوز أن يقال : أم عندك رجل ، فأما إذا كان متوسطاً جاز سواء كان مسبوقاً باستفهام آخر أو لا يكون ، أما إذا كان مسبوقاً باستفهام آخر فهو كقولك : أنت رجل لا تنصف ، أفعن جهل تفعل هذا أم لك سلطان ؟ وأما الذي لا يكون مسبوقاً بالاستفهام فهو كقوله : * ( ألم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه ) * ( السجدة : 1 - 3 ) وهذا القسم يكون في تقدير القسم الأول ، والتقدير : أفيؤمنون بهذا أم يقولون أفتراه ؟ فكذا تقدير هذه الآية : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فصبروا على استهزاء قومهم بهم ، أفتسلكون سبيلهم ، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم ؟ هذا ما لخصه القفال رحمه الله ، والله أعلم . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ) * أي ولم يأتكم مثل الذين خلوا وذكر الكوفيون من أهل النحو أن * ( لما ) * إنما هي * ( لم ) * و * ( ما ) * زائدة وقال سيبويه : * ( ما ) * ليست زائدة لأن * ( لما ) * تقع في مواضع لا تقع فيها * ( لم ) * يقول الرجل لصاحبه : أقدم فلان ؟ فيقول : * ( لما ) * ولا يقول : * ( لم ) * مفردة ، قال المبرد : إذا قال القائل : لم يأتني زيد ، فهو نفي لقولك